الانضباط الإيجابي

لطالما كنت مندهشا من المعلمين الذين يبدو أنهم يتحكمون في فصلهم دون عناء، الأشخاص الذين يمكنهم ضبط غرفهم الصفية بإشارة واحدة سريعة والذين يمكنهم الحفاظ على تفاعل الطلاب لفترات طويلة من الزمن.

في المرة الأولى لأي أستاذ مستجد يقف أمام فصل دراسي مليء بالطلاب في محاولة للحصول على انتباههم وتركيزهم ولكن كان الاهتمام بعيدًا عن الجهد المبذول، بدا أن الحفاظ على الهدوء والتزام جميع الطلاب أثناء الدرس من المستحيلات، إذ بمجرد جذب انتباه أحد الطلاب سيتشتت تركيز طالب آخر، سيبدو الأمر كأنه دوامة لا نهاية لها، لذا هذه التجربة تجعل من كل أستاذ في بداية رحلته التعليمية متجهاً بدافع الفضول لمعرفة ماذا كان يفعل هؤلاء المعلمين والمعلمات لجعل مهمة إدارة الفصل الدراسي تبدو بسيطة للغاية وهذا يجعلنا جميعا نتساءل ما الذي يجب أن يتغير أو ماذا علينا أن نفعل ليكون الأمر فعال كما الحال عندهم؟

لعلنا سمعنا كثيراً عما يسمى بالانضباط الإيجابي أو التأديب الإيجابي في سياق العملية التعليمية ولعلنا كثيراً ما سمعنا عن فعاليته وأهميته في العملية التعليمية.

أعتقد أنه ما أعوزنا إليه في الوقت الحاضر إذ أن المدارس تواجه العديد من التحديات المختلفة والمرتبطة بشكل خاص بتكوين العلاقات الإيجابية فيما بين الطلاب والمعلمين في الفصول الدراسية ومن خلال عملهم اليومي في الفصول الدراسية، إذ أن الانضباط الإيجابي عامل مهم للغاية في عملية التعلم، يهدف لخلق بيئة مناسبة للتعلم.

دعنا نفكر قليلاً بأول خطوة يقوم بها الطفل في العملية التعليمية وهي رياض الأطفال حيث بكل وضوح نستطيع أن نرى أن الأطفال يأتون إلى هذا العالم عاجزين وغير قادرين على التطور الكامل بدون المعلمين والآباء.

كمعلمين، فإن وظيفتهم هي رعايتهم وتعليمهم كيف يختلطون بأقرانهم ويجعلوا من البيئة الدراسية بيئة أكثر ترحيباً وقَبولاً للأطفال على اختلافاتهم وتنوعهم، لكن بدون جو منضبط، لا يمكن للمدرسين التدريس بفعالية ولا يمكن للمتعلمين التعلم بفعالية.

إذ إن المديرين والمعلمين مسؤولين عن تنفيذ ممارسات الانضباط الإيجابي في المدرسة الفردية ولكن لتعزيز نجاح هذه الآلية يجب أن تكون هذه الممارسات الإيجابية من قبل جميع المشاركين بما في ذلك أولياء الأمور والطلاب متسمة بالالتزام والسعي الإيجابي، لذا من خلال هذه المقالة سنسعى لتكوين صورة واضحة عن الانضباط الإيجابي وأدواته وأهميته وسنبرز من خلاله أهمية دور المعلمين في تطبيق فعال لهذه الآلية في الفصول الدراسية.

فما هو الانضباط الإيجابي:

إنه شكل من أشكال الانضباط الذي يركز على تعليم الأطفال السلوك الصحيح وكذلك كيفية التصرف ويستند إلى فكرة أن الانضباط الإيجابي هو أفضل لتقدير الطفل لذاته ولتحفيز الطفل دون تهديده بالعقاب والذي يمكن أن يكون له آثار سلبية على أدائهم الدراسي وصحتهم النفسية أو الجسدية.

كما أننا نستطيع من خلاله أن نساعد الطلاب ليصبحوا أفراداً مسؤولين يساهمون بشكل إيجابي من خلال التعاون مع الآخرين وخلق علاقات إيجابية مع محيطهم والأقران.

ويمكننا القول بأن أكثر الأماكن التي يجب علينا تطبيق الانضباط الإيجابي فيها هو الفصول الدراسية إذ أنه المكان الذي يمارس فيه المعلمون والطلبة أنشطة مختلفة تساهم في بناء شخصية الطالب وتعزز ثقته بنفسه وتضع أولى لبن شخصياتهم  وفيه يتعلم الطلاب بناء العلاقات الإيجابية والتعامل مع التحديات التي تواجههم لذا في هذه الآلية بالتحديد لا يعتمد المعلمون بشكل كبير على العقاب ولكن بدلاً من ذلك يركزون على بناء طلابهم ويؤكدون على تعزيز السلوك الايجابي وتشجيع الطلاب على التعلم من أخطائهم، أحد الأمثلة على الانضباط الإيجابي في الفصل الدراسي هو الثناء على إنجاز كل طالب وجهوده حيث يجب أن يكافئ العمل المتميز بدرجة عالية، بينما يجب الاعتراف بالعمل الأقل من مرضٍ ولكن لا يتم انتقاده بشكل مفرط ولا يتم توجيه النقد للطالب بعين ذاته أمام زملائه بل يتم الحديث بشكل عام ليبين من خلاله المعلم كيف يمكن للعمل أن يكون أفضل من ذلك وكيف يمكن أن يتطور ويمكن للمدرسين أيضاً منح الطلاب وقتاً للتفكير في سلوكهم بعد أخطائهم من خلال منحهم فرصة التصحيح الذاتي أو طرح أسئلة حول ما حدث وكيف يمكنهم تحسينه، إذ يقوم الانضباط الإيجابي في التعليم بنفس الشيء من خلال توفير توقعات ونتائج واضحة مع التركيز على تعليم المهارات الاجتماعية واستراتيجيات حل المشكلات بدلاً من العقاب وحده.

أهمية وأثر الانضباط الإيجابي في العملية التعليمية؟

الانضباط الإيجابي ليس بالأمر السهل ومن المهم أن نتذكر أنه ستكون هناك تحديات على طول الطريق! ولكن عندما نخصص وقتًا لتعليم الطلاب كيف تؤثر أفعالهم على الآخرين ونبين لهم ما يمكنهم فعله بدلاً من ذلك، فإننا نساعدهم على تعلم كيفية جعل عالمنا مكاناً أفضل.

وكما ذكرنا سابقاً أن العملية التعليمية في جوهرها تهدف لتحقيق عملية تعلم أفضل وخلق شخصيات ناجحة وفعالة في المجتمعات ومن خلال الانضباط الإيجابي نكون قادرين كبيئة تعليمية على خلق شبكة مجتمعية على نطاق الطفل والمدرسة والأسرة لتكوين شخصية ناجحة إيجابية فعالة في المجتمع، من هنا تبدأ أهمية هذه الآلية حيث أنها بداية تخلق هذه الشبكة الوثيقة من ثم تعزز ضبط النفس لدى الطفل أو الطلاب وتجعلهم قادرين على تحمل المسؤولية بما يتناسب مع مراحلهم العمرية وتجعل منهم أشخاصاً قادرين على اتخاذ القرار بشكل مدروس، حيث أن الانضباط الإيجابي لا يقتصر فقط على تجنب العقوبة واحترام حقوق الطفل الأساسية بل إنه يتضمن على مجموعة من الأدوات التربوية التي تهدف للحفاظ على نمو الطلاب خلال مسيرتهم التعليمية وإعطائهم المساحة  لتطوير إمكاناتهم واستكشاف طرقهم وخياراتهم وتدعهم يجربوا ليكتشفوا الصحيح من الخاطئ وبذلك نكون أعددنا أفراد سعداء ومتوازنين وناجحين، إذ أن الاحترام والتشجيع المتبادل بين الطلاب ومعلميهم أو الطلاب وذويهم هي أهم المهارات الاجتماعية التي يتم منحها في هذه الآلية، فهي تفسح المجال للتفكير النقدي والتفكير والتصرف في أدوار الحياة وتحدياتها وبالتالي تحسن مستمر لثقافة التعليم والتعلم مما يخلق قبول ونجاح طبيعي للطالب في محيطه ومجتمعه.

هذه ما يدعونا لنتساءل عن أشكال الانضباط الإيجابي التي يستخدمها المعلمين والمعلمات مع طلابهم في الفصول الدراسية؟

في بعض الأحيان، قد يكون الطلاب مشاغبين أو يقوموا بتصرفات تقلل من احترام معلميهم ومعلماتهم.

هناك العديد من الطرق الإبداعية التي تتعامل بها المدارس مع مثل هذه المواقف بانضباط إيجابية منها:

  • اعتماد نظام المكافآت والعقوبات إذ أنها تعد الأساس للعديد من برامج تعديل السلوك والإدارة الصفية.
  • تشجيع الطلاب وخاصة الخجولين منهم أو المنعزلين على بناء علاقات مع بعضهم البعض وتعزيز بناء الخطط الفردية الخاصة بهم.
  • العمل على بناء علاقة ثقة فيما بين المعلم والطلاب.
  • استخدام طرق التعلم التفاعلي لضبط الطلاب ونشاطهم ضمن آلية تعلم واحد في مدة زمنية محددة.
  • استخدم سرد القصص للإشارة إلى الفعل غير الصحيح الذي قام به أحد الطلاب أو مجموعة من الطلاب دون الإشارة إليهم أو إحراجهم ويجب سرد الحل لتلافي هذا التصرف في المرات المقبلة.
  • استخدم الحوار من خلال الأسئلة والأجوبة ليتعرف الطلاب النهج الصحيح في التعامل مع المواقف التي يتم الحوار عنها.
  • استخدم آلية التقريب من الطالب ذي الحركة والنشاط الذي يمنع زملائه من التركيز من خلال الوقوف إلى جانب الطالب أو خلفه أو بالقرب منه.
  • استخدم اللمس في حال يسمح الوضع في الفصل الدراسي بذلك من الممكن لمس الطالب على رأسه أو على الكتف وهنا يجب مراعاة حساسية هذا الشكل في بعض البيئات.
  • تعيين واجبات منزلية أو مهام إضافية لتعويض العمل الذي لم يتم القيام به بشكل صحيح.
  • استخدم نبرة صوت مختلفة مع تواصل بصري تجاه الطالب المعني وهنا يجب مراعاة أن تكون نبرة الصوت تلائم الموقف (أي لا تثير رعب الطلاب من حدتها ولا أن تكون هادئة ف لا يتحقق الغرض المرجو منها).
  • استخدم ألفاظ لائقة بالطالب دون إهانته أو جرح مشاعره.
  • استخدم آليات حركية لاستعادة تركيزهم كأن تصنع معهم صيحة خاصة (هُتاف) بالفصل الدراسي وتكون هذه الصيحة إشارة للانتباه او لانتهاء وقت الجدل أو لضبط الحوار والصمت.

في حالات قد تكون من مستويات متقدمة يلجأ المعلم إلى الحرمان من حصة ترفيهية أو الحرمان من المشاركة في الحصة الدرسية لكن هذه الحالات لها تأثير سلبي على الطالب وصحته النفسية، ينصح في المستويات المتقدمة وفي حال وجود طلاب مخربين ضمن الفصل الدراسي إرسال الطلاب إلى الإخصائي النفسي أو الإرشادي في المدرسة للتعامل مع الحالة بشكل أفضل.

في النهاية لا يمكننا نكران أن العملية التعليمية في أيامنا هذه هي أشد صعوبة من ذي قبل وذلك للظروف البيئية والاجتماعية التي يمر بها الطلاب والمعلمين، لكن ما يمكننا أن نؤكده أن هذه الآلية هي من الخطوات الذهبية التي تساعد على ضبط الفصل الدراسي وضبط سلوك الطلاب بشكل إيجابي وكما هو حال أي من الآليات التي ذكرت في مقالات سابقة هي بحاجة إلى صبر ومحاولات وتروي، إذ أنها تتضمن تعديل سلوكي والبدء بنمط قد يكون جديد كلياً ومختلف عما عرفناه سابقاً في أيامنا المدرسية.

العلاقة الإيجابية التي تنشأ بين المعلمين والطلاب تؤثر بشكل مباشر على خلق مناخ إيجابي من التعاون للتنفيذ الناجح لعملية التعلم، فيكون بذلك الانضباط الإيجابي جزءاً لا يتجزأ من عملهم اليومي.

إذا كان المعلم يفكر دائمًا في الإيجابية، فإن الطلاب يكتسبون قيمة ويحافظون على مواقف إيجابية تجاه البيئة التي يعيشون فيها.

كما أن إقامة علاقات إيجابية تقلل وتتجنب سلوك الطلاب غير اللائق ويجب على المعلم المحترف أن يسعى لإيجاد حلول وسط لإرضاء جميع الأطراف المعنية في المواقف أو السلوكيات أو النزاعات غير الملائمة.

بقلم: نور بريمو

يمكنك معرفة المزيد عن مهارات المعلم وتعليم الأطفال من خلال تدريب كيف يتعلم الأطفال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *